تناقش الكاتبة دينا سماك تداعيات حادث احتراق سفينتين داخل ميناء دمياط، وما إذا كان التطور الأخير قد يدفع مصر إلى الانخراط في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بعدما تحولت الأنظار إلى القاهرة لمعرفة ما إذا كانت ستواصل سياسة تجنب المواجهة العسكرية أم ستتجه إلى خيارات أكثر حسمًا مع وصول التصعيد إلى سواحلها الشمالية.
ونشرت المنصة هذا التحليل الذي يناقش تداعيات حادث دمياط، ويستعرض أبعاد السياسة المصرية في ظل التصعيد الإقليمي، واحتمالات تغير موقع القاهرة داخل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط.
حادث دمياط يفتح باب التكهنات
بدأت وسائل الإعلام العالمية تغطية الحادث قبل صدور أي توضيح رسمي مصري، إذ نقلت وكالة رويترز عن شركة الأمن البحري "أمبري" أن طائرة مسيرة أصابت سفينة أمريكية لتخزين وإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال. في المقابل، اكتفت وزارة البترول بالإعلان عن اندلاع حريق في سفينتين داخل الميناء دون الإشارة إلى أسبابه.
واستمرت حالة الغموض نحو أربع عشرة ساعة، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الحادث، والجهة التي نفذته، وكيف تمكنت الطائرة المسيرة من اختراق منظومة الدفاعات الجوية المصرية، قبل أن يصدر مجلس الوزراء بيانًا مقتضبًا أكد تعرض إحدى السفن داخل الميناء لهجوم بطائرة مسيرة، موضحًا أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها عنه.
وحمل البيان الرسمي رسائل غير معلنة أكثر من المعلومات التي تضمنها، إذ تجنب توجيه أي اتهام، كما أغفل الإشارة إلى أن السفينة "إنرجوس وينتر" مملوكة لشركة أمريكية وتشغلها الولايات المتحدة، بينما استأجرتها مصر العام الماضي ضمن منظومة إعادة تغويز الغاز التي اعتمدت عليها منذ تفاقم أزمة الطاقة.
وسرعان ما اتجهت أصابع الاتهام في الإعلام الأمريكي والإسرائيلي نحو إيران أو أحد حلفائها، استنادًا إلى مصادر إيرانية مجهولة الهوية، دون تأكيد الجهة المنفذة أو مكان انطلاق الهجوم. كما تداولت قنوات مقربة من طهران على تطبيق تليجرام قائمة أهداف قيل إنها تأتي ردًا على هجوم أوكراني استهدف سفينة شحن إيرانية في بحر قزوين، وضمت القائمة مجمع "سيجاس" المصري الإسباني لإسالة وتصدير الغاز في دمياط.
وزاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة التكهنات عندما وصف هجوم دمياط بأنه امتداد للهجمات التي شهدتها الأردن، مؤكدًا أن بلاده سترد بقوة على إيران.
وفي المقابل، نفت طهران أي صلة لها بالحادث، ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مصر بأنها دولة صديقة، معتبرًا أن إسرائيل تسعى إلى توسيع دائرة الحرب. كما أكدت جماعة أنصار الله في اليمن أن عملياتها في البحر الأحمر تستهدف المصالح السعودية فقط.
القاهرة تواصل سياسة الحذر
تشير المؤشرات إلى أن حادث دمياط وحده لا يكفي لدفع مصر إلى الانخراط المباشر في الحرب، خاصة أن الدول غالبًا لا تدخل النزاعات بقرار معلن، بل عبر سلسلة من الخطوات التدريجية تبدأ بحوادث محدودة ثم تتوسع مع تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية.
وتفسر هذه المقاربة استمرار السياسة المصرية التي اعتمدت خلال الحرب في غزة على التهدئة والدبلوماسية، رغم وقوع حوادث مست أراضيها، في وقت ترفض فيه القاهرة تهجير الفلسطينيين وتتمسك بمواقفها المعلنة، وهو نهج يختلف عن تدخلها العسكري السريع في ليبيا عام 2015 عقب ذبح تنظيم داعش واحدًا وعشرين مصريًا، عندما اتضحت هوية المنفذ وأصبحت أهداف التدخل العسكرية والسياسية واضحة.
وخلال السنوات الماضية، كررت مصر أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه وحدها، ولذلك رفضت الانضمام إلى عملية "حارس الازدهار" الأمريكية ضد الحوثيين عام 2023، كما رفضت الاعتراف بأرض الصومال، واعترضت على الاتفاق الإثيوبي مع هرجيسا الذي يمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا على حساب وحدة الأراضي الصومالية.
وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي هذا الموقف مجددًا خلال لقائه نظيره الإريتري في القاهرة قبل أيام من حادث دمياط، غير أن المشهد بدأ يتغير مع انضمام مصر إلى تحالف بحري متعدد الجنسيات تقوده السعودية، ويضم دولًا لا تطل على البحر الأحمر، بهدف حماية الملاحة والتجارة وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
ورغم توقيع الاتفاق بعد يوم واحد من حادث دمياط، فإن ترتيبات مشاركة مصر سبقت الهجوم بفترة، ما يشير إلى أن القاهرة بدأت بالفعل مراجعة أدواتها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، دون التخلي عن موقفها الرافض لأي دور إسرائيلي دائم في البحر الأحمر أو القرن الإفريقي.
تحالفات جديدة ترسم موقع مصر
لا يعكس انضمام مصر إلى التحالف البحري استجابة مباشرة لضغوط أمريكية أو سعودية، بل يرتبط بتقاطع مصالح إقليمية جديدة، خاصة أن الرياض نفسها تسعى إلى إنهاء الحرب سريعًا بعدما رأت أن استمرارها لن يحقق مكاسب استراتيجية واضحة، وأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في إدارة الصراع ينطوي على مخاطر كبيرة.
وأظهرت المباحثات التي أجراها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في واشنطن مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس رغبة المملكة في احتواء التصعيد وتجنب حرب استنزاف طويلة مع إيران ومحور المقاومة، كما لعب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دورًا في وقف تصعيد كان يستهدف منشآت نفطية إيرانية قبل تراجعه في اللحظات الأخيرة.
وازدادت أهمية استقرار مصر بالنسبة للسعودية بعد تحول الساحل الشمالي المصري إلى أحد أهم مسارات تصدير النفط السعودي عقب إغلاق مضيق هرمز، إذ تنتقل الشحنات عبر البحر الأحمر إلى العين السخنة، ثم تمر داخل خط أنابيب سوميد وصولًا إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، قبل إعادة تحميلها على ناقلات عملاقة.
وفي الوقت نفسه، اكتسب التقارب المصري التركي بعدًا استراتيجيًا جديدًا، خاصة بعد توقيع خطاب نوايا للتعاون الدفاعي خلال زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف صبري زاهر إلى أنقرة في يوليو الماضي، أعقب سلسلة من التدريبات العسكرية المشتركة. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن حماية حقول الغاز في شرق المتوسط شكلت محورًا رئيسيًا في تلك المباحثات.
ويرى التحليل أن هذه التحركات تعكس تشكل محور يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، هدفه تقليص النفوذ الإيراني، واحتواء التوسع الإسرائيلي، وإنهاء الحرب بأقل تكلفة ممكنة، وأن هذا المسار بدأ قبل حادث دمياط بوقت طويل.
ويخلص التقرير إلى أن الحريق الذي اندلع في ميناء دمياط لم يدفع مصر إلى اختيار هذا المسار، بل كشف تحالفات كانت تتبلور بعيدًا عن الأضواء، وحولها إلى واقع سياسي أكثر وضوحًا، بينما يبقى السؤال المطروح هو موعد إعلان القاهرة موقفها بصورة صريحة، إذا قررت الانتقال من إدارة التوازنات إلى إعلان موقعها بشكل لا يقبل التأويل.
https://almanassa.com/en/stories/33230

